الغزالي

392

إحياء علوم الدين

ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى ، إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعا ، وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ، ومهما كانت الشهرة مقصودة له حبط عمله لأن الزكاة إزالة للبخل وتضعيف لحب المال ، وحب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال ، وكل واحد منهما مهلك في الآخرة ولكن صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربا لادغا ، وصفة الرياء تنقلب في القبر أفعى من الأفاعي ، وهو مأمور بتضعيفهما أو قتلهما لدفع أذاهما أو تخفيف أذاهما ، فمهما قصد الرياء والسمعة فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويا للحية ، فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية ، ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه ، وقوّة هذه الصفات التي بها قوّتها العمل بمقتضاها ، وضعف هذه الصفات بمجاهدتها ومخالفتها ، والعمل بخلاف مقتضاها ، فأي فائدة في أن يخالف دواعي البخل ويجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى ويقوى الأقوى . وستأتي أسرار هذه المعاني في ربع المهلكات الوظيفة الرابعة : أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ، ويحرس سره من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء ، فقد قال الله عز وجل : * ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) * « 1 » وذلك حيث يقتضي الحال الابداء ، إما للاقتداء ، وإما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس ، فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار ، بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان ، وهذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المنّ والرياء وهو هتك ستر الفقير ، فإنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج ، فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره ، وهو كإظهار الفسق على من تستر به فإنه محظور ، والتجسس فيه والاعتياد بذكره منهي عنه ، فأما من أظهره فإقامة الحد عليه إشاعة ، ولكن هو السبب فيها ، وبمثل هذا المعنى قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له » وقد قال الله تعالى * ( وأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً ) * « 2 » ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب ، فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيه ، فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص

--> « 1 » البقرة 271 « 2 » فاطر 28